ابن خلدون
277
تاريخ ابن خلدون
من بعده يتداولون الامارة بالأندلس والمغرب وإفريقية مع السادة من بنى عبد المؤمن فولى المنصور ابنه أبا سعيد على إفريقية لأول ولايته وكان من خبره مع عبد الكريم المنتزى بالمهدية ما ذكرناه في أخباره واستوزر أبا يحيى بن أبي محمد بن عبد الواحد وكان في مقدمته يوم المعركة سنة احدى وتسعين فجلى عن المسلمين وكان له في ذلك الموقف من النصرة والثبات ما طار له به ذكر واستشهد في ذلك الموقف وعرف أعقابه ببني الشهيد آخر الدهر وهم لهذا العهد بتونس ولما نهض الناصر إلى إفريقية سنة احدى وستمائة لما بلغه من تغلب ابن غانية على تونس فاسترجعها ثم نازل المهدية فتعاونت عليه ذئاب الاعراب وجمعهم ابن غانية ونزل قابس فسرح الناصر إليهم أبا محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبى حفص في عسكر من الموحدين فأوقع بابن غانية بتاجرا من نواحي قابس سنة ستين وستمائة وقتل جبارة أخو ابن غانية وأثخن فيهم قتلا وسبيا واستبعد منهم السيد أبا زيد بن يوسف بن عبد المؤمن الوالي كان بتونس وأسره ابن غانية ورجع إلى النصار بمكانه من حصار المهدية فكان سببا في فتحها وكان ذلك مما حمل الناصر على ولاية الشيخ أبى محمد بإفريقية حسبما يذكر إن شاء الله تعالى لما تكالب ابن غانية واتباعه على إفريقية واستولى على أمصارها وحاصر تونس وملكها وأسر السيد أبا زيد أميرها ونهض الناصر من المغرب سنة احدى وستمائة كما ذكرناه فاسترجعها من أيديهم وشردهم عن نواحيها وخيم على المهدية يحاصرها وقد أنزل ابن غانية ذخيرته وولده بها وأجلب في جموعه خلال ذلك على قابس فسرح الناصر إليه الشيخ أبا محمد هذا في عساكر الموحدين وزحف إليهم بتاجرا من جهات قابس فهزمهم واستولى على معسكرهم وما كان بأيديهم وأثخن فيهم بالقتل والسبي واستنقذ السيد أبا زيد من أسرهم ورجع إلى الناصر بمعسكره من حصار المهدية ظافرا ظاهرا وعاين أهل المدينة يوم هزمه بالغنائم والأسرى فبهتوا وسقط في أيديهم وسألوا النزول على الأمان وكمل فتح المهدية ورجع الناصر إلى تونس فأقام بها حولا إلى منتصف سنة ثلاث وستمائة وسرح أثناء ذلك أخاه السيد أبا إسحاق يتبع المفسدين ويمحو مواقع عينهم فدوخ ما وراء طرابلس وأثخن في بني دمر ومطماطة ونفوسه وشارف أرض سرت وبرقة وانتهى إلى سويقة ابن مذكور وفر ابن غانية إلى صحراء برقة وانقطع خبره وانكفأ السيد راجعا إلى تونس واعتزم الناصر على الرحلة إلى المغرب وقد أفاء على إفريقية ظل الرضى وضرب عليهم سرادق الحماية وبدا له ان ابن غانية سيخالفه إليها وان مراكش بعيدة عن الصريخ وأنه لا بد من رجل يسد فيها مسد الخلافة ويقيم